محمد الريشهري

246

موسوعة معارف الكتاب والسنة

مَندوحَةً « 1 » عَن وَطَنِهِ إذا أحزَنَهُ أمرٌ يَضطَرُّهُ إلَى الانتِقالِ عَنهُ . ثُمَّ فَكِّر في خَلقِ هذِهِ الأَرضِ عَلى ما هِيَ عَلَيهِ حينَ خُلِقَت راتِبَةً راكِنَةً ، فَيَكونُ مَوطِناً مُستَقَرّاً لِلأَشياءِ ؛ فَيَتَمَكَّنُ النّاسُ مِنَ السَّعيِ عَلَيها في مَآرِبِهِم « 2 » ، وَالجُلوسِ عَلَيها لِراحَتِهِم ، وَالنَّومِ لِهُدُوئِهِم ، وَالإِتقانِ لِأَعمالِهِم . فَإِنَّها لَو كانَت رَجراجَةً « 3 » مُتَكَفِّئَةً ، لَم يَكونوا يَستَطيعونَ أن يُتقِنُوا البِناءَ وَالتِّجارَةَ وَالصَّناعَةَ وما أشبَهَ ذلِكَ ، بَل كانوا لا يَتَهَنَّؤونَ بِالعَيشِ وَالأَرضُ تَرتَجُّ مِن تَحتِهِم ! وَاعتَبِر ذلِكَ بِما يُصيبُ النّاسَ حينَ الزَّلازِلِ عَلى قِلَّةِ مَكثِها حَتّى يُصيروا إلى تَركِ مَنازِلِهم وَالهَرَبِ عَنها . فَإِن قالَ قائِلٌ : فَلِمَ صارَت هذِهِ الأَرضُ تُزَلزَلُ ؟ قيلَ لَهُ : إنَّ الزَّلزَلَةَ وما أشبَهَها مَوعِظَةٌ وتَرهيبٌ ؛ يُرَهَّبُ بِهَا النّاسُ لِيَرعَووا عَنِ المَعاصي ، وكَذلِكَ ما يَنزِلُ بِهِم مِنَ البَلاءِ في أبدانِهِم وأموالِهِم ، يَجري فِي التَّدبيرِ عَلى ما فيهِ صَلاحُهُم وَاستِقامَتُهُم ، ويُدَّخَرُ لَهُم - إن صَلَحوا - مِنَ الثَّوابِ وَالعِوَضِ فِي الآخِرَةِ ما لا يَعدِلُهُ شَيءٌ مِن امورِ الدُّنيا ، ورُبَّما عُجِّلَ ذلِكَ فِي الدُّنيا إذا كانَ ذلِكَ فِي الدُّنيا صَلاحاً لِلعامَّةِ وَالخاصَّةِ . ثُمَّ إنَّ الأَرضَ في طِباعِهَا الَّذي طَبَعَهَا اللَّهُ عَلَيهِ بارِدَةٌ يابِسَةٌ ، وكَذلِكَ الحِجارَةُ ، وإنَّمَا الفَرقُ بَينَها وبَينَ الحِجارَةِ فَضلُ يُبسٍ فِي الحِجارَةِ . أفَرَأَيتَ لَو أنَّ اليُبسَ أفرَطَ عَلَى الأَرضِ قَليلًا حَتّى تَكونَ حَجَراً صَلداً ، أكانَت تُنبِتُ هذَا النَّباتَ الَّذي بِهِ حَياةُ الحَيَوانِ ، وكانَ يُمكِنُ بِها حَرثٌ أو بِناءٌ ؟ ! أفَلا تَرى كَيفَ نُقِصَت عَن يُبسِ الحِجارَةِ ، وجُعِلَت عَلى ما هِيَ عَلَيهِ مِنَ اللّينِ وَالرَّخاوَةِ ، وَليَتَهَيَّأ لِلِاعتِمادِ ؟ ومِن تَدبيرِ الحَكيمِ - جَلَّ وعَلا - في خِلقَةِ الأَرضِ أنَّ مَهَبَّ الشِّمالِ أرفَعُ مِن

--> ( 1 ) . يقال : لكَ عنه مَندوحَةٌ ؛ أي سَعَة وفُسحة ( المصباح المنير : ص 597 « ندح » ) . ( 2 ) . الأَرَبُ والإربَةُ والمَأربَةُ : الحاجة ، والجمع : المَآرِب ( المصباح المنير : ص 11 « أرب » ) . ( 3 ) . الرَّجْرَجَة : الاضطراب . وتَرَجْرَج الشيء : إذا جاء وذهب ( الصحاح : ج 1 ص 317 « رجرج » ) .